حيدر حب الله

59

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وقوع الأمر والنهي في سياق ذكر الواجبات الأخرى . كما لا إشارة في الآية إلى أن الأمر والنهي غاية للتمكين في الأرض كما ذكر سيد سابق « 1 » ، وإنما حديث عن الأفعال الممدوحة التي يفعلونها على تقدير التمكّن في الأرض ، بل لا تدل الآية على وجوب التمكّن في الأرض إلا بمعنى تشريع الجهاد لحماية الجماعة وقدرتها على ممارسة الدين ؛ فلا تكون دليلًا على وجوب إقامة الدولة الإسلامية . ويمكن استفادة وجوب الأمر والنهي هنا من طبيعة التركيبة الشرطية في الآية ، وذلك بأن يقال : إن الآية ذكرت أن هؤلاء المؤمنين بمجرّد أن يتمكّنوا في الأرض يأمرون وينهون ، فيكون حال الآية حال قوله تعالى : ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ) ( النور : 30 ) ، على تقدير افتراض وجود جملة شرطية مفادها : وقل للمؤمنين أن يغضوا من أبصارهم فإنك إن تقل لهم ذلك يغضوا من أبصارهم ، فبمجرد القول هم يغضون ، وهنا بمجرد التمكّن هم يأمرون . لكنّ هذا التقريب محل نظر ؛ لأن المقدّر في آية غض البصر هو جملة تفيد طلب الغض ، وفي هذا التقدير إذا افترضت الآية أنهم غضوا بمجرد أن قلت لهم دلّت على الحكم الإلزامي ؛ أما هنا فلا يوجد تقديرُ طلبٍ أساساً حتى يصحّ هذا الافتراض ، وإنّما إخبار يحمل مدحاً وتوصيفاً . قد يقال « 2 » : إن هذه الآية لا علاقة لها بدائرة الأحكام الشرعية أساساً حتى نجعلها مستنداً لتحديد وظائف السلطة في الإسلام ؛ لأنها مجرد إخبار خارجي عن جماعة خاصّين وهم المهاجرون ؛ لأنّ الآية التي سبقتها تتحدّث عن الإذن بالقتال لمن ظُلم ، ثم تشرح حالهم ، وهم الذين أخرجوا من ديارهم ، أي الصحابة المهاجرون ، ثم تكمل التوصيف والسرد بكلمة : ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ . . . ) ، فلا ربط

--> ( 1 ) الطوسي ، التبيان 7 : 323 ؛ والراوندي ، فقه القرآن 1 : 357 . ( 2 ) راجع - على سبيل المثال - : تفسير النسفي 3 : 106 ؛ وزاد المسير 5 : 300 .